ملا محمد مهدي النراقي
223
جامع السعادات
في باب الصبر : أن في الجنان درجات عالية لا يبلغها أحد إلا بالمصائب الدنيوية والصبر والشكر عليها ، ويؤيده ابتلاء أكابر النوع ، من الأنبياء والأولياء بالمصائب العظيمة في الدنيا ، وما ورد من أن أعظم البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ، ثم بالأمثل فالأمثل في درجات العلاء والولاء . وعلى هذا فالظاهر اختلاف أصلحية كل من البلاء والعافية باختلاف مراتب الناس . فمن كان قوي النفس صابرا شاكرا في البلاء ، ولم يصده عن الذكر والفكر والحضور والأنس والطاعات والاقبال عليها ، ولم يصر باعثا لنقصان الحب لله ، فالبلاء في حقه أفضل في بعض الأوقات ، إذ بإزائه في الآخرة من عوالي الدرجات ما لا يبلغ بدونه . ومن كان له ضعف نفس يوجب ابتلائه بالمصائب جزعا أو كفرانا ، أو منعه شئ مما ذكر ، فالعافية أصلح في حقه ، وربما كان البلاء مما منعه من الوصول إلى المراتب العظيمة ، فلا ريب في أن العافية وعدم هذا البلاء أفضل وأعلى منه . فإن البصير الذي توسل بعينيه إلى النظر إلى عجائب صنع الله ، وتوصل به إلى معرفة الله ، وتمكن لأجل العينين إلى مطالعة العلوم وتصنيف الكتب الكثيرة من أنواع العلوم ، وتبقى آثاره العلمية على مر الدهور ، وينتفع من علومه الناس أبدا ، وربما بلغ لأجل العينين إلى غاية درجات المعرفة والقرب والحب والأنس والاستغراق ، ولولا وجود العينين له لم يبلغ إلى شئ من ذلك ، فلا ريب في أن وجود البصر لمثله أفضل وأصلح من عدمه ، ولولا ذلك لكان رتبة شعيب مثلا - وقد كان ضريرا من بين الأنبياء - فوق رتبة موسى وإبراهيم وغيرهما - عليهم السلام - لأنه صبر على فقد البصر ، وموسى لم يصبر عليه ، ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف كلها ويترك كلحم على وضم . وهذا باطل ، فإن كل واحد من الأعضاء آلة في الدين ، فيفوت بفواتها ركن من الدين . ويدل على ذلك ما ورد في عدة من الأخبار : ( أن كل ما يرد على المؤمن من البلاء أو عافية أو نعمة أو بلية ، فهو خير له وأصلح في حقه ) وما ورد في بعض الأحاديث القدسية : ( أن بعض عبادي لا يصلحه إلا الفقر والمرض ، فأعطيته ذلك ، وبعضهم لا يصلحه إلا الغنى والصحة ، فأعطيته ذلك ) . وبذلك يجمع بين أخبار العافية وأخبار البلاء .